|
نمــــطـــيات
الـــــــــحــــــــافلــــة 107
· عند الإشارة تكون الساعة الخامسة صباحا .
هكذا سمع من المذياع قبل أن يرقص منبه الساعة معلنا كذالك ، ليضع عليه يده ويعيده إلى سكونه. استيقظ في الصباح مصادفا صياح الديكة وزقزقة العصافير ، التي تحتفي بدورها بميلاد هذا الصباح الجديد، يوم من أيام غشت هذا الشهر الذي عودنا بحرارته المرتفعة و شمه الدافئة التي تجعلنا نرحل صوب الشواطئ نتربص بها كما تربص بنا عوامل هذا الشهر. صفع معدته بكوب من الشاي وقطعة خبز حافية يأكـــــــــل بهمجية ويدمدم و كأنه ينتقم من الخبز أو أن السكر قد خان الشاي مما أعطاه ذوقا غير مناسب لهذا الإكليل من العضلات، هذا ما ذهب إليه ظني الذي يسكن دواخلي ، كيف ما كان الأمر فإنني حاولت أن أسمع مــا يقول فوردت إلى أذناي أصداء كلمات متعبة ذيلها :
· الطوبيس اقدر إيجي ولا مايجي.
حزم خيوطه استعدادا للذهاب إلى العمل ، غطس يده في جيبه ليطمئن على بعض الدريهمات لأنه يعـــــي تمام الوعي أن مراقبي التذاكر في الحافلة لا يرحمون ، وأن بائعي السجائر بالتقسيط لا يرحمون كذالك أو هكذا تجلت له وصية أبيه الذي رحل منذ سنتين، خرج مهرولا تارة ومتوقفا أخرى ليرى ما لحق بالــــحي من تغير و يبصق على النفايات المبعثرة في الزقاق بعدما انتهت منها الكلاب و القطط المـــــتسكــــــــــعة وبمشاركة متواضعة لبعض الآدميين ! كما يقذف بالحاويات الفارغة إلى مرمى مجهول في إشارة واضحة إلى الرغبة المكبوحة في لعب كرة القدم على طريقتنا المتواضعة. إلى أن وصل إلى مكان تواجد علامــــة وقوف الحافلة ، تسمر قربها كباقي المنتظرين والذين سبقوه بشق زمني يقدر بعشرات الدقائق، تتعـــــــالى أصوات الجميع أسئلة رهيبة ممزوجة بحيرة متواصلة ووسط متلون بأعمدة الدخان الذي مافتئ ينبت مـــن أفواههم ، لحقه نوع من الذكاء القديم أو ربما رغبة من التحايل فابتعد عن رقعة الزحام في اتجاه الأضواء الثلاثة التي تبعد بأمتار قليلة عن العلامة ، لتتاح له فرصة اصطياد مقعد شاغر داخل الحافلة عندما تقــف في الضوء الأحمر، لكن هيهات هيهات فقد لمع الضوء الأحمر ومرت الحافلة، نعم لقد مـــــرت مــــرور الكرام ! وهرول من ورائها كالمعتوه ! فتوقفت عند العلامة التي غادرها من قبل، هرع إليها المنتظـــرون في دهشة وأصواتهم تتعالى من جديد :
· أسير أصحبي آه شحال تقيل.
· واطلع أش كات سنا
· ارا أخويا دك السنيدلا الله إحفدك
· آش كات قلب فيا أنت طلق مني
· عانداك عانداك الشفار..... !
تساءل في دهشة كيف لهذه الحافلة العجوز أن تتحمل هذا وهي لا تقوى على الحركة حتى وهي فارغة، سنة الزحام ! دخل المعركة بقوة مبعثرة، تسلق درج الحافلة بجهد جهيد، سحب تذكرته.....، جالت عيناه في الحافلة بحثا عن مكان شاغر، لا فائدة من ذالك، صاح قائلا :
· ماكينا شي بلاصا خاويا......
أطرق كل من في الحافلة حتى السائق ، قبل أن تصطدم شفتاه العليا بالسفلى لينسدد فاه ، اهتز إطار أذناه بكلمات مقرفة :
توجهت إليه كل النظرات التائهة ، وعم صمت رهيب داخل الحافلة ، دقيقة صمت ترحما على الهاتف الراحل ، مساهمة أقل ما يقال عنها أنها لا تعني أي شيء فلا أحد يحرك ساكنا وعلى رأسهم سائق الحافلة
الذي لم يهتم بالأمر، سأل كل من كان بجانبه وردت إليه أسئلة أخرى وأجوبة قذرة تصب كلها فـــــي الماضي ، نظر يمنة ثم يسرة لاشيء غير الزحام، طرب كفا بكف وعض على شفتيه ، إلى أن توقفت الحافلة في علامة أخرى وفي زحام آخر، فهرول إلى مخدع الهاتف أمسك السماعة ، ووضع القطـــع النقدية ينتظر الجواب بلهفة متواصلة ، فجأة سمع صوت رقيق :
· يتعذر الاتصال بمخاطبكم المرجو.......
قطع الكلام وأعاد الكرة ثانية لا شيء غير ذاك الصوت الرقيق، وقف في مندهشا طويلا وطارت كلمتان بين شفتيه:
· البورطابل مشا.
الهاتف قد ودع إلى الأبد ليسجل جيبه عجزا يضيفه إلى الحساب القديم، خاصة وأنه ودع في آخر أيام الشهر.وصل إلى مقر العمل متأخرا ببضع دقائق إن لم أقل ساعة، صفعه رب العمل بكلمات مزعجة:
· آش هاد الوقت آلسي ......؟
تأفف ،بصق ، لعن اليوم الذي فكر فيه أن يشارك الناس في زحامهم في مشيهم ، في حافلتهم..ِ..... !؟
صورة صورها بالأحمر والأخضر لرب العمل علم خلالها أن هناك أمرا غير عادي قد حدث للعامل فاستلطفه بسؤال:
· آش كاين ياك لباس؟
· مشا ليا لبورطابل فالطوبيس.
· آش من طوبيس ؟
· 107
· داوه ليك علاه ماكت عرف آش كاي اوقع ف 107 ؟
· لا من عرف .
· إوا هانتا أعرفتي،الله إخلفوا عليك راه داك شي لي كتب عليك الله هاد الصباح ، إوا زيد تخدم.
انتابه قليل من الأمل وهاتفه يخاطبه في الخيال ويدعوه إلى التجدد، كما يتجدد البحر، أو كما يتجــــدد الحب ! أحس إحساسا غريبا وقال في صوت خافت ومهموس:
· تهنيت منوا تقل عليا أو كاي جيب ليا غير المشاكل.
احتله القلق حتى النخاع ، وبدأ عمله بتذمر، طالت عليه الدقائق فصارت ساعات، خيل له أن ما وقع كان حلما وحاول نسيانه ، خصوصا وأن الأجرة قادمة لا محالة عندها يجدد الهاتف، ويطوي صفحة هــــــذا الصباح ومعها صفحة الماضي ويضعهما لبنة أولى لبناء المستقبل المشرق. في المساء وبعد انتهاء يـوم من التعب و الشقاء ، غسل جسده من أوساخ هذا العمل استعدادا لاستقبال الأجرة، التي خصها بمكـــــان داخل ملابسه الداخلية يعتقد أنه أكثر أمنا ، ورسم في خياله معالم صرفها . هاهو قد تسلمها أخيرا وأعدها
أكثر من مرة ، كما تأكد من صحتها ،عاودته الابتسامة بعدما غابت عنه في الصباح فقصد من جـــــــديد الطريق إلى الحافلة، قبل وصول علامة الوقوف شهد الحافلة التي ينوي استقالتها حاول أن يهرول لكي يضن مكانه داخلها ، لكن ثمة أمر جعله يتراجع عن ذالك، فقد رأى على مقربة من الحافلة امرأة تصرخ وسط أجسام جامدة تنظر إليها، تساءل:
· آش وقع تاني فهاد الطوبيس ؟
لما وصل بلغه أن تلك المرأة ضاعت منها حفيظة نقودها عندما همت بالصعود إلى الحافلة وأقسمـــــت لهم غير ما مرة أنها ضاعت منها قرب الحافلة ولا تملك سوى تلك الدراهم الموجودة فيها، جرحه الحادث ففضل السير على قدميه حتى يصل مخافة أن يكون ضحية الصباح و المساء ،وفي طريقه إلى حيه و بيته بدأ يتحدث إلى نفسه قائلا:
" غريب أمر هذه الحافلة التي هي عبارة عن مسرح متنقل للمعاناة، فرح وقرح داخلها قد يجعلا حياة المتضرر أو المعتدي ترحل كما رحل هذا الحدث بخفة داخل الحافلة107.
توقيع: ع.الرحمان حمزاوي
البيضاء غشت 2005
أنت الزائر
|